ليلة السبت، السماء صافية، لا وقت للسهرات والحكايا، فقط نجمة واحدة بعيدة لعلها تواسي بعض النازحين النائمين في العراء. تضامنٌ يتلألأ لمعاناً، ربما غاب مع فجوة الحلم، يراقبه ليظل هناك لحين تنتهي المأساة. مساءٌ طقسه عادي، خرّبت صفاءه أصوات طائرات تهدر في السماء؛ كأن القيامة ستقوم.
أحلام مدفونة في رمال النزوح
ملّ "وليد" مللاً شديداً من أوحال الرمل؛ يجده في طعامه، في فراشه، وحتى في أحلامه المصابة بأنواع القهر والذل. زادت معاناته قبل خمسة أشهر، عندما قُصفت الخيمة المجاورة فجأة. هرع الكبار والصغار يصرخون بغير وعي، نزلت كالصاعقة. يتذكر بعض الشيء وكأنه ملمح خيال. بخجلٍ يوارده أمل هَرِم بابتسامة مجعدة. ذرات الرمل المتراكمة ذوبت حيوية قلبه المستكين.
القلق الخفي في أزمة النزوح، وأمور حياة الحرب اليومية، وأصوات المدفعية والطائرات؛ تقمع نسمة بعيدة لحلم لذيذ يهب عليه في وقت صفائه. ريقه المنتعش ذاك اليوم لم يتكون حتى.. عندما يزوره حلمه، يغطي على خيباته، ويشرد من الذكريات لعالم لا يعرفه. غفا هُنيهة، وأُغمي على حلمه كالبهلوان. اختلطت ذاكرته بأمنية منكوبة نازحة مثله، ترفض أن تأتيه، وتقبع خلف الذكريات هناك لكي لا تثقل كاهلها عليه بحسرته في خيمته البالية وفراشه البسيط.
" ربما عليه هذه المرة أن يزور هو حلمه؛ هرباً من عنف الحياة، يود بذاته أن يتكافل مع أنينه، فصوت الرصاص قد أصم عقله وأذنيه. سينزح هناك مع الحلم أعلى الجبل عند الروابي، وعندما تنتهي الحرب سيعود لبيته، لأمه وأخواته. "
ذاكرة الركام ومستشفى الأقصى
فراغ هائل شوشه.. فجأة وجد نفسه في مستشفى الأقصى، إصابة في رجليه، الدار جُرفت، والحي الجميل أصبح حطاماً، وحتى الكافتيريا التي كان يحضر فيها مباريات كرة القدم مع جيرانه سُويت بالأرض.
هبت بقوة رائحة المياه العادمة.. يا إلهي! تذكر أن الخيام ملاصقة لبعضها، والحمامات تتواجد بجوار كل خيمة. حقاً، حتى الأحلام تركته وغادرت لحيوات أخرى ربما أكثر طمأنينة وراحة. المواربة الخائفة من ظلها، تخشى من جحيم الآتي، وتزفر في لا وعيها.
شطيرة لحم في خيال جائع
راح يواري الخيبة وتذكر قبل يومين عندما شم رائحة الكباب من فرن الطين المنبعث من الخيام المجاورة. يستعيد المرء شيئاً من السعادة، لا بل كل السعادة؛ فقط إذا مر بقرب الرائحة يشعر وكأن الدنيا بخير. وعده المسؤول عن المخيم بإدراج اسمه ضمن الكشوفات في المرات القادمة، لكن "وليد" لم يأبه لذلك، فكله سواء.
يتسلل خيال أبعد: لو التهم شطيرة من اللحم؟ أوه! لاحتفلت معدته احتفالاً كبيراً! ليس معدته فقط، بل كافة حواسه ستُسر بذلك. أخذت بطنه تقرقر، ومع طول وقت الحرب وشدة المعاناة وضيق الحال، أطاعته عزة نفسه، واقنعت بطنه بالواقع: لا بأس، ما له العدس؟ بروتين نباتي لا فرق بينه وبين اللحم.. هكذا يواسي أمعاءه لكي يحد من سيلان لعاب أحلامه.
بقلم: براء خشان
كاتبة غزيّة وطالبة في كلية الحقوق (21 عاماً). شغوفة بالأدب والصحافة الإنسانية, وتملك قلماً يسلط الضوء على قصص الصمود والتكافل المجتمعي في غزة. تسعى من خلال كلماتها إلى إيصال صوت الشباب الطامح وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية برؤية أدبية ملهمة.
💬 تواصل مع الكاتبة عبر واتسابتم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.