حقائق توثيقية موجزة: يُعرف المعلم الظاهر في الصورة باسم "مسجد الحساينة"، ويقع في ميناء الصيادين غرب مدينة غزة. تم افتتاحه عام 2013 بتبرع من عائلة الحساينة ليصبح أيقونة معمارية وملاذاً للصيادين. في أواخر عام 2023، قامت آلة الحرب الإسرائيلية بتسوية المسجد والميناء بالكامل بالأرض، ليتحول المشهد النابض بالحياة إلى ركام رمادي يعكس حجم الإبادة والتدمير الممنهج.
هناك صور لا تحتاج إلى تعليق لتشرح قسوتها، بل تحتاج إلى قلب ليتسع لحجم الفقد فيها. حين تنظر إلى النصف العلوي من الصورة، ترى الحياة بكل ألوانها: زرقة البحر، بياض القباب، واخضرار العشب المحيط بمسجد الحساينة في ميناء غزة. وفي النصف السفلي، يتلاشى كل شيء ليحل مكانه لون واحد.. لون الرماد والموت. نحن في منصة مساعدات غزة، لا ننشر هذه الصور لنبكي فقط، بل لنوثق للتاريخ كيف يتم محو ذاكرة مدينة بأكملها، وكيف يُسلب البشر الحق حتى في ذكرياتهم.
مسجد الحساينة: لؤلؤة الميناء وروح المكان
لم يكن ميناء غزة مجرد مرسى للقوارب، بل كان المتنفس الأبرز لأكثر من مليوني إنسان حاصرتهم الجدران والأسلاك. وفي قلب هذا الميناء، وعلى حافة اليابسة الغربية لمدينة غزة، بُني "مسجد الحساينة" الذي تم افتتاحه رسمياً في عام 2013 بتبرع كريم من رجل الأعمال الفلسطيني الحاج هاشم الحساينة.
تميز المسجد بعمارته الإسلامية الحديثة؛ مئذنتان تعانقان سماء غزة، وقباب بيضاء ناصعة تعكس أشعة الشمس وتتناغم مع أمواج البحر الأبيض المتوسط. لم يكن المسجد مجرد بناء من حجر، بل كان بوصلة الصيادين؛ منه يرفعون أكفهم بالدعاء في صلاة الفجر قبل أن يلقوا شباكهم في البحر المحفوف بالمخاطر، وإلى ساحاته الواسعة تلجأ العائلات الغزية هرباً من ضيق البيوت وانقطاع الكهرباء، ليسمعوا أذان المغرب يمتزج بصوت الموج.
آلة حرب لا ترحم بشراً ولا حجراً ولا ديناً
تأمل النصف السفلي من الصورة لتعرف الحقيقة المجردة: لقد حوّل الاحتلال الصهيوني غزة بكل تفاصيلها وجمالها إلى دمار وركام. ما تراه ليس آثار زلزال طبيعي، بل هو فعل آلة حرب همجية في المنطقة، آلة عمياء لا ترحم البشر، ولا تحترم الحجر، ولا تقيم وزناً لحرمة الأديان ودور العبادة.
في أواخر عام 2023، وخلال حرب الإبادة الشاملة، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منطقة الميناء ومسجد الحساينة بشكل مباشر وممنهج. سقطت المآذن التي كانت تصدح بـ "الله أكبر"، وتناثرت القباب البيضاء لتختلط برمال الشاطئ، واختفت المساحات الخضراء تحت أطنان من الركام الخرساني. إن استهداف هذا الصرح الديني والمدني هو محاولة بائسة لكسر الروح المعنوية، وكي الوعي الفلسطيني، وإيصال رسالة دموية بأنه لا يوجد مكان آمن، ولا يوجد مُقدس يحظى بالحصانة.
رائحة اليود وغبار البارود: لمسة من قلب الميناء
من عاش في غزة يعرف تماماً "رائحة الميناء"؛ ذلك المزيج العجيب بين نسيم البحر المالح، ورائحة شباك الصيد المبللة، وعطر المصلين الخارجين من صلاة الجمعة في مسجد الحساينة. اليوم، إذا وقفت في نفس البقعة الظاهرة في الصورة، لن تشم سوى رائحة البارود المحترق، وغبار الإسمنت الذي يسد الأنفاس. الصياد الذي كان يربط قاربه بجوار المسجد، بات اليوم يقف مذهولاً يبحث عن بقايا مركبه المتفحم تحت ركام مئذنة كان يستهدي بها في عتمة الليل ليعود إلى أطفاله ببعض الرزق.
قسم التفاعل: ذاكرتكم هي بقاؤنا
تسعى مساعدات غزة للحفاظ على هذه الأماكن حية في عقولنا وقلوبنا، لأن الجغرافيا التي تُدمر على الأرض، يجب أن تُبنى في الذاكرة. هل صليت يوماً في مسجد الحساينة؟ هل جلست مع عائلتك على الكورنيش المحاذي له والتقطتم صورة تذكارية؟ شاركونا ذكرياتكم، مشاعركم، وصوركم القديمة في التعليقات. اكتبوا عن الميناء كما عرفتموه، كي نثبت لهم أن قذائفهم قد تسقط المآذن، لكنها أبداً لن تمحو الذاكرة.
موواضيع أخرى من ذاكرة غزة:
فصول الرمال: قصة أول مدرسة لفتيات مخيم الشاطئ (1949)
غزة التي لا يعرفونها.. حكايات الحياة والازدهار قبل نكبة 1948
المصادر والمراجع التاريخية
- سجلات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية (بيانات تأسيس المساجد).
- أرشيف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (توثيق المعالم العمرانية لمدينة غزة).
- تقارير التوثيق الميداني للدمار خلال حرب 2023-2024.
أسئلة شائعة حول مسجد الميناء (الحساينة)
تنويه وإخلاء مسؤولية: هذا التوثيق هو جهد بحثي وأرشيفي تلتزم به المنصة للحفاظ على الذاكرة الفلسطينية والهوية التاريخية لقطاع غزة أمام محاولات الطمس والتدمير.
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.