📁 مقالات

سبعون.. قصة صمود وأمل لامرأة غزية في عامها السبعين

سبعون.. قصة صمود وأمل لامرأة غُزية في عامها السبعين

قبل أيام قليلة، أتمّت أمي عامها السبعين. سبعون عامًا مرّت عليها، لكنها لم تكن سبعين عامًا عادية؛ فقد عاشت من الألم ما كان كفيلًا بأن يُسقط جبالًا، وشهدت من الخوف والدمار ما لا تحتمله القلوب. حمدتُ الله كثيرًا أنها بلغت السبعين، بعدما مررنا بلحظات فقدنا فيها الأمل تمامًا في بقائها على قيد الحياة.

نجاةٌ من قلب الموت

ذات يوم، حوصرت أمي من كل جانب؛ طائرات في السماء، ودبابات تحيط بالمكان، وأصوات الانفجارات والعتاد من كل ناحية. قُصفت الطوابق العلوية من البيت، بينما كانت هي تجلس في الطابق الأرضي. دعونا الله أن ينجيها، وقلوبنا تتقطع خوفًا عليها، ثم انقطع الاتصال بها وبمن كان معها.

مرت الساعات ثقيلة، وتسلل اليأس إلى قلوبنا، ولم نعد نعرف: أهي حية أم فارقت الحياة؟ كانت الروبوتات المتفجرة تنفجر من حولها، والموت يقترب منها من كل جانب، لكنها كانت في عالم آخر؛ عالم من الصبر والاحتساب واليقين. كانت تدعو الله أن يحفظها، وأن ينصرها على عدوها، ونجاها الله.

طمأنينة وسط الخراب

أمي التي نجت من المجاعة الأولى بأعجوبة، ثم نجت من الثانية، وهي في عمر تكون فيه الحاجة إلى الطعام أشد، وإلى الرحمة أكبر. أمي التي عاشت الدخول البري الأول والثاني والثالث والرابع، وشهدت الخوف والدمار، وبقيت في بيتها مطمئنة، كأن في قلبها حصنًا لا تصل إليه قذائف الأرض. زرع الله في قلبها طمأنينة عجيبة، لم أرَ مثلها في حياتي.

مرت الأيام القاسية، ومرّ الخوف، ومرّ الجوع، ومرّ الموت من أمامها مرات ومرات. وها هي اليوم تحتفل بعيد ميلادها السبعين. وكلما نظرت إليها، سألت نفسي: كيف استطاعت امرأة في السبعين أن تحمل كل هذا الصبر؟ كيف بقي قلبها ثابتًا بعدما رأت كل هذا الدمار؟ كيف لم تستطع كل هذه السنوات، بكل ما حملته من ألم، أن تنتزع منها الأمل؟

إيمان لا تحكمه موازين الأرض

لكن الأعجب من كل ذلك... أن أمي لا تزال تؤمن بالنصر، تؤمن بالتحرير، وتؤمن بالعودة. تنتظر العودة إلى أرض الأجداد، وتتطلع إلى بلدتها الأصلية، "حمامة". قلت لها يومًا متعجبًا: "يا أمي، كيف تتحدثين عن العودة، وأنتِ لا تملكين حتى العودة إلى شمال غزة؟". نظرتُ إلى قلبها، فوجدت فيه شيئًا لا تراه العين.

وجدت إيمانًا لا تحكمه موازين الأرض، وأملًا لا تحدّه حسابات الواقع. وجدت امرأةً ربطت قلبها بكتاب الله، وعاشت مع سنة نبيه، فصار في قلبها من اليقين ما يكفيها أمام كل هذا الانكسار. أمي لا تنتظر النصر لأنها لا ترى الواقع، بل لأنها ترى ما وراء الواقع. تمنحني الأمل رغم كبر سنها، بل لعلها اليوم تحمل من الأمل ما لم أحمله أنا في أي وقت مضى؛ تنتظر يوم التحرير، وتراه قريبًا، وتحدثني عنه وكأنه موعد لا شك في مجيئه، بل تقول إنها ستشهده قبل أن ترحل.

"فيا أيها الطغاة... سبعون عامًا لم تستطع أن تكسر شوكة الأمل في قلب امرأة عجوز، سبعون عامًا من الألم لم تنتزع منها حلم العودة. فكيف تظنون أنكم ستنجحون في كسر شعبٍ يحمل هذا الأمل في قلبه ووجدانه؟"

على درب اليقين

يا أمي... أنا على دربك، تعلمت منك أن الأمل لا يُقاس بما نملك، وأن اليقين لا يحتاج إلى دليل من الأرض. وأنا مثلك، أرى ذلك اليوم قريبًا، أرى يوم العودة، أرى يوم تفتح فيه الطرق إلى أرضنا. وأرى موعدًا آخر، طالما حلمنا به... موعد صلاة في المسجد الأقصى، وقد زال عنه الظلم، وانقشع عنه الاحتلال.

يا أمي، سبعون عامًا من العمر... لكنها في حقيقتها سبعون عامًا من الصبر، والثبات، واليقين، والأمل. أسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يطيل بقاءك على طاعته، وأن يحقق لك ما تتمنين، وأن يجمعني وإياكِ في المسجد الأقصى، وقد تحققت أمنية العودة. وحتّى ذلك اليوم... سأبقى على دربك يا أمي، أحمل من يقينك ما يكفيني.

محمد حمادة

بقلم: محمد حمادة

من أبناء مخيم جباليا، حاصل على درجة الماجستير في تكنولوجيا المعلومات، وأعمل في جامعة القدس المفتوحة – فرع الشمال. كتبت العديد من المقالات التي نُشرت في المجلات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، متناولًا قضايا المجتمع والإنسان في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة. أُومِن بأن الكلمة الصادقة قادرة على ترميم ما تهدمه الحروب، لذلك أحرص في كتاباتي على غرس الأمل وإحياء روح الصمود والتفاؤل، رغم ما خلفته حرب الإبادة من ألم وفقدان.

💬 تواصل مع الكاتب عبر واتساب

تم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.

إخلاء مسؤولية: المواد المنشورة في قسم "نبض المجتمع" تعبر تماماً عن آراء كتابها وتجاربهم الشخصية، ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي لمنصة مساعدات غزة. كما تخلي المنصة مسؤوليتها القانونية عن أي تواصل مباشر أو ترتيبات شخصية تتم عبر وسائل التواصل المرفقة.
تعليقات