يا ويح النازحين، كم قست عليهم الأيام! كنا نسير كأطياف بلا صوت ولا وجهة ندركها، خرجنا من بيوتنا لا نحمل إلا دموعاً شقّت وجوهنا، وحرقة في صدورنا، وذكرى جدران كانت تأوينا. كنت أسير واجمة، تعتريني قشعريرة في الروح، أتحاشى كابوس الواقع فأطلق لخيالي العنان متجاوزة حواجز هذا الزمن البائس.. ولكن هيهات هيهات.
وجوه بهتت من القهر
أبصرت في طريقنا امرأة قد تهدل وجهها من شدة بأسها، وبان فيه أثر البكاء الصبور، تضرب كفاً بكف وتكرر بمرارة: "حسبي الله ونعم الوكيل". كانت تلتفت وراءها حائرة؛ تركت جدراناً كانت تُؤنسها، وذكرياتٍ كانت تُعانقها، فإذا بها قد صارت رُكاماً فوق رُكام.
تمشي وفي يدها طفلة تبكي جوعاً، وعلى كتفها صبي يغفو خوفاً، وهناك خلفها يرقد الأب.. تحت الركام. حتى العصافير رأيتها تهاجر معنا إلى زمنٍ لا يعود.
" النزوح ليس سفراً ولا تغيير مكان.. النزوح موت بطيء، وجع يومي، وكسر للروح قبل أن يكون إرهاقاً للجسد. إنه السير في طريق لا تعرف نهايته، ولا تعلم إن كان هناك مكان سيستقبلك في آخره أصلاً. "
ليلٌ ونهارٌ من الخوف والترقب
ينهمر وابل من المطر قارعاً سقف الخيمة البلاستيكي، مُحدثاً قرقعةً مؤرقة في جوف الليل. أرى أطفالاً تسلل البرد إلى أجسادهم الغضة فترتجف من شدة وطأته؛ نساء مكسورات، شيوخ تائهون، وشباب عاطلون عن الحياة. أرواحنا تنزف، قلوبنا تختنق، ووجوهنا بهتت من كثرة القهر والجوع.
لقد سرق النزوح الطمأنينة من أرواحنا المنهكة، وسلب النوم من عيوننا، حتى صار الليل والنهار واحداً؛ كله قلق وترقب، وكله خوف من الغد. يبدو المستقبل كصباح شتائي يجثم عليه الضباب، فلا يكاد المرء يبصر موقع قدميه فيه.
سؤال بلا إجابة
ويبقى سؤال واحد يجول في خاطري دوماً: لو نزحنا مجدداً.. لو تركنا هذا المكان ومشينا على الطريق؛ هل سنعود يوماً إلى ديارنا؟ هل ثمة أمل نرجع فيه لنرى حياتنا من جديد؟ أم أن نزيفنا صار يمر كأنه أمر عادي؟!
بقلم: براء خشان
كاتبة غزيّة وطالبة في كلية الحقوق (21 عاماً). شغوفة بالأدب والصحافة الإنسانية, وتملك قلماً يسلط الضوء على قصص الصمود والتكافل المجتمعي في غزة. تسعى من خلال كلماتها إلى إيصال صوت الشباب الطامح وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية برؤية أدبية ملهمة.
💬 تواصل مع الكاتبة عبر واتسابتم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.