كان شمال غزة يموت جوعًا. لم يعد البحث عن لقيماتٍ تُبقي الإنسان على قيد الحياة أمرًا عسيرًا فحسب، بل أصبح ضربًا من المستحيل. تنظر إلى الوجوه فتراها شاحبةً، والأجساد تتمايل من الوهن، فتتذكر قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، لكن الذي أثقلهم لم يكن الخمر، بل الجوع.
رحلة البحث عن فتات الحياة
فُتحت بيوت الذين نزحوا إلى الجنوب، لا طمعًا في مال، وإنما بحثًا عما تركوه من طعام، لعل بقايا مؤونةٍ تنقذ أسرةً من موتٍ محقق. وما هي إلا أيام حتى خلت البيوت من كل مدخراتها، ولم يبق فيها ما يُؤكل.
عندها بدأ الناس يقتاتون على كل ما تنبته الأرض من أعشابٍ صالحة للأكل، ويجمعون بقايا الحبوب والبذور، يطحنونها ويعجنونها خبزًا يسد الرمق. كنا أفضل حالًا من كثيرين؛ إذ كان نصف أقاربنا في الشمال، والنصف الآخر في الجنوب، فامتد إلينا شيءٌ من الطعام بين حين وآخر من منازلهم، فأخر وصول المجاعة إلينا قليلًا، وخفف من وطأة الجوع. ومع ذلك، كان أن ينام الإنسان شبعانًا أمنيةً بعيدة المنال.
الموت يسبق رغيف الخبز
ولم يكن الجوع وحده هو المأساة، بل كان القتل يلاحقه في كل مكان. لم يتوقف القصف لحظةً واحدة. كم من طفلٍ استشهد وهو ينتظر كسرة خبز! وكم من أسرةٍ عادت إلى بيت قريبٍ لها لتخبز ما وجدته من دقيق، وما إن أوقدت النار حتى سبق نضجُ الأرواح نضجَ الخبز، فسقط البيت على ساكنيه، وصعدوا إلى السماء جياعًا.
أي ظلمٍ هذا؟ أليسوا مدنيين لا ناقة لهم في هذه الحرب ولا جمل؟ فبأي ذنبٍ قُتلوا؟
فاجعة الفقد.. حين اجتمع الجوع والقتل
وفي صباحٍ حزين، استيقظنا على خبر قصف مربعٍ سكني يقطنه أخي وأسرته، الذين كانوا قد نزحوا إلى الجنوب انتظارًا لميلاد طفلٍ جديد، بعد أن خرجت مستشفيات الشمال عن الخدمة. مرت الساعات ثقيلةً ونحن ننتظر أي خبر. كانت الاتصالات شبه مقطوعة، ولم نكن نحصل على إشارة الهاتف إلا إذا صعدنا إلى أسطح المنازل. وأخيرًا وصلتنا أنباء بأنه نجا، فتنفسنا الصعداء.
لكن فرحتنا لم تعش طويلًا. فبعد ساعات قليلة فقط، جاء الخبر الذي مزق قلوبنا: استشهد أخي، واستشهد جميع أطفاله، بمن فيهم مولوده الجديد الذي لم يكد يفتح عينيه على الدنيا.
اجتمع الحزن كله في يومٍ واحد. جوع، ونزوح، وقتل، وفراق للأحبة، وانقطاع للطرق، حتى إنك لا تستطيع أن ترى من تحب حيًا، ولا أن تودعه ميتًا.
تمرة العزاء التي أبكت الجيران
كان العزاء نفسه صورةً أخرى من صور المأساة. فلا بيوت عزاء، ولا معزون إلا نفرٌ قليل من الأقارب والجيران. ولم يكن في بيتنا سوى عشر تمرات، احتفظنا بها لنقدمها للمعزين مع شيءٍ يشبه القهوة.
دخلت إحدى الجارات لتعزينا، فلما وقعت عيناها على التمر، انفجرت بالبكاء. لم تبكِ على أخي وحده، بل على أطفالها الذين لم يذوقوا طعامًا منذ أيام، إذ لم يكن لهم أحدٌ في الجنوب ليحصلوا من بيته على الطعام، فنفدت مؤونتهم مبكرًا.
ثم جاء قريبٌ لنا معزيًا، فتناول أخي معه تمرةً واحدة. وبعد خروجه، عاتبنا أخي لأنه أكل تلك التمرة، فقد نقصت من نصيب المعزين.
" يا لها من لحظةٍ قاسية... أن تصبح تمرةٌ واحدة موضع حساب! "
ومن يومها قررنا أن نقدم لكل معزٍّ تمرةً واحدة فقط مع فنجان القهوة، حتى تكفي الجميع. وفي اليوم التالي جاء جارنا، لا معزيًا فحسب، بل مودعًا أيضًا. أخبرنا أنه سيغادر إلى الجنوب، لعل أبناءه ينجون من الموت جوعًا. لم نملك أن نفعل له شيئًا، سوى أن نودعه بقلبٍ مثقلٍ بالحزن.
الذاكرة التي لا تنسى
مضت تلك الأيام، وظننت أن المجاعة الأولى أصبحت ذكرى لن تعود، لكنها عادت أشد قسوة، حتى صار الناس يموتون عند شاحنات المساعدات، بينما ظل القصف يحصد الأرواح، واستمر النزوح يطوف بالبيوت بيتًا بعد بيت.
رحلت الأيام، ورحل الأحبة، لكن الذاكرة لم ترحل. بقيت تحتفظ بكل مشهد، وكل اسم، وكل دمعة، وكل تمرةٍ اقتسمناها في زمنٍ صار فيه للتمرة قيمة حياة.
قد ينسى الظالم ما صنع، لكن الله لا ينسى، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. وسيبقى العدل الإلهي هو الرجاء الذي تستند إليه القلوب حين يعجز أهل الأرض عن إنصاف المظلومين.
بقلم: محمد حمادة
من أبناء مخيم جباليا، حاصل على درجة الماجستير في تكنولوجيا المعلومات، وأعمل في جامعة القدس المفتوحة – فرع الشمال. كتبت العديد من المقالات التي نُشرت في المجلات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، متناولًا قضايا المجتمع والإنسان في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة. أُومِن بأن الكلمة الصادقة قادرة على ترميم ما تهدمه الحروب، لذلك أحرص في كتاباتي على غرس الأمل وإحياء روح الصمود والتفاؤل، رغم ما خلفته حرب الإبادة من ألم وفقدان.
💬 تواصل مع الكاتب عبر واتسابتم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.