في ظل حرب الإبادة والحصار الخانق، تحولت المساعدات الإنسانية إلى شريان الحياة الوحيد للغزيين. ولكن في زحمة الموت والنزوح، نبتت فئة طفيلية استغلت الأزمة، وصعدت على أكتاف الوجع لتحول مأساة شعب كامل إلى مشروع تجاري مربح.. إنهم "سماسرة الدموع" الذين يرتدون قناع "المبادرين".
لقد تجاوزنا اليوم مرحلة الفساد التقليدي للجان والمؤسسات، لنصطدم بظاهرة "المبادر النجم" أو مشاهير السوشيال ميديا الذين كسبوا تعاطف العالم بمشاهد الخيام المنهارة والأطفال الجياع، وتدفقت عليهم مئات الآلاف من الحوالات المباشرة دون حسيب أو رقيب.
أثرياء الخيام: كواليس صناعة اللقطة
ليس السارق اليوم موظفاً يختلس كرتونة خفية، بل هو ناشط يعبئ حسابه البنكي بالعملة الصعبة على حساب جوع الناس. يشتري مستقبله وعقارات خارج البلاد بما يصله من أموال المانحين، بينما يقتطع نسبة ضئيلة لا تتجاوز 1% ليوزع بها "فتاتاً" أمام كاميرات ذات إضاءة عالية لضمان استمرار تدفق الحوالات.
هذا الأسلوب يقايض جوع الناس وكرامتهم بالدعاية الشخصية. إنه يحول الطوابير الطويلة للأمهات والأطفال إلى خلفية سينمائية جذابة تخدم جيب المشرف على المبادرة وتمنحه بريق "فاعل الخير".
" تبرعكم أمانة، وتمويل هؤلاء السماسرة إثم مضاعف. تذكروا أن السارق لا يسرق الطعام والخيام فحسب، بل يسرق معها كرامة الناس وثقتهم ببعضهم البعض. "
مسرحيات الإذلال اليومية في واقع المخيم
هذه ليست مجرد تحليلات، بل مشاهد يومية حية تدق ناقوس الخطر في بيئة النزوح:
- مشهد الكاميرا والكرامة المهدورة: يقف طفل حافي القدمين يرتجف من البرد، يأتيه "المبادر المشهور" ومعه مصور محترف، يسلمه طرداً لا يتجاوز ثمنه بضعة دولارات، ويطلب منه استدرار العطف والوقوف باكيًا من أجل تأمين اللقطة الإعلانية.
- مشهد السوق السوداء: تصل مبالغ طائلة مخصصة لإنشاء تكايا طعام أو كسوة شتاء لحي كامل. تُوزع بضع وجبات بسيطة للتصوير، وتختفي الكميات الكبرى لتُعرض تالياً للبيع في الأسواق بأسعار خيالية بذريعة أنها بضائع فائضة.
- مشهد الكشوفات والواسطة: تُوجّه المساعدات الثمينة لأقارب المبادر، ومحيطه الاجتماعي الضيق لتعزيز نفوذه العائلي، بينما تظل العائلات النازحة والمستحقة بلا مأوى وتتلقى رداً متكرراً ببرود: "الاسم مش مسجل بالنظام".
مكامن تسرب شريان الحياة
عملية السطو على المساعدات وتحويلها إلى رصيد تجاري تمر عبر ممرات ملوثة تبدأ من لحظة استلام التمويل حتى التنفيذ على الأرض:
- عند الاستلام والتوزيع الفردي: غياب الرقابة القانونية على الحسابات الشخصية للنشطاء يتيح اقتطاع حصة الأسد لشراء العقارات والممتلكات الشخصية فوراً.
- عند الشراء المحلي: يتم التلاعب بالفواتير الحقيقية وتقديم أرقام مضخمة للمتبرعين بالخارج بهدف جني مبالغ إضافية تحت بند فروقات الأسعار.
- التوزيع الانتقائي: إغفال تام للقوائم الإغاثية المعتمدة وتفضيل من يرضى بالتصوير والظهور الإعلامي المهين على من يصون عزة نفسه ويرفض الوقوف أمام الكاميرا.
- تواطؤ المكاتب والتقارير الورقية: غمر المتبرعين بتقارير دعائية منمقة وفيديوهات قصيرة مركبة بعناية لحجب غياب الأثر الحقيقي على الأرض وإخفاء مصير آلاف الدولارات.
توصيات عاجلة لإنقاذ كرامة العطاء
أولاً: توصيات إلى المجتمع المحلي من الداخل
- تشكيل لجان رقابة أهلية: يجب أن يتداعى وجهاء وشباب الأحياء لتشكيل لجان محلية لمتابعة كشوف التوزيع للمبادرين والنشطاء ومطابقتها للتأكد من نزاهة التوزيع.
- رفض التصوير المهين: على العائلات والناشطين مقاطعة ورفض أي مبادر يبتز كرامة المستفيدين عبر الكاميرا مقابل تسليمهم حقهم الأساسي من الغذاء أو الدواء.
- التوثيق والفضح المجتمعي: استخدام منصات التواصل لفضح السماسرة والمستغلين بالأدلة القاطعة والشهادات الحية؛ لأن السارق لا يخشى شيئاً كخشيته من زوال هالة النجومية الافتراضية.
ثانياً: توصيات للمتبرعين والمانحين بالخارج
- وقف التمويل الفردي العشوائي: تجنبوا تماماً إرسال الحوالات المالية الكبرى لحسابات النشطاء الشخصية، ووجهوا طاقاتكم نحو المؤسسات الصغيرة واللجان الأهلية المرخصة والخاضعة للرقابة المالية.
- المطالبة بالفواتير والوصولات الشاملة: لا تقبلوا بالفيديو القصير كدليل براءة؛ اطلبوا تقارير تفصيلية موثقة بالفواتير وأسماء المستفيدين الحقيقيين وتدقيق وجهة كل دولار أُرسل.
- المتابعة المباشرة والتحري الصامت: اسألوا من هم في قلب الميدان بشكل مستقل عما إذا كانت تبرعاتكم قد بلغت مستحقيها بالكامل وبالمجان، أم أنها تسربت للبيع أو قُدمت كمنة من صانع محتوى.
كلمة أخيرة
إن جرح غزة عميق، ومحاولات استباحته تحت اسم "الواقع والضرورة" يجب أن تقابل بالرفض التام. إن صمودنا العظيم على هذه الأرض لا يكتمل بمجرد البقاء أحياء، بل بحماية شرف وبياض هذا البقاء من عبث المتربحين والأفاكين.
غزة ليست ساحة للتسول أو الاستعراض الإعلامي، وتطهير ساحتنا الداخلية من أثرياء الأزمات هو جزء لا يتجزأ من مقاومة الحصار وبناء مجتمع حر، قوي بنزاهته وقيمه المتماسكة.
بقلم: صفاء توفيق أبو عوض
أخصائية اجتماعية (33 عاماً) وحاصلة على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية. أديبة وكاتبة تهتم بتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والظواهر الإنسانية في الشارع الغزي. تسعى من خلال مقالاتها إلى تقديم قراءة سوسيولوجية للواقع، وطرح حلول وتوصيات تساهم في حماية نسيج المجتمع وبناء الوعي في أصعب الظروف.
💬 تواصل مع الكاتب عبر واتسابتم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.