في غزة، لا يُقاس طلب العلم بالمسافة بين البيت والجامعة، بل يُقاس بقدرة الطالب على انتزاع يومه من بين ازدحام الحياة وضيقها. فالطالب هنا لا يخرج إلى امتحانه كما يخرج غيره؛ بل يخرج وفي قلبه عبء الطريق، وفي يده حقيبةٌ تحمل ما هو أثقل من الكتب: تحمل إرادةً لا تنطفئ.
رحلة يومية محفوفة بالصعاب
كثيرٌ من الطلاب يسافرون من أماكن بعيدة، يقطعون طرقاً طويلة ليصلوا إلى قاعةٍ صغيرة أو كوفي نت يتيح لهم تقديم اختبارٍ إلكترونيّ لا يحتمل التأجيل. هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في غزة؛ مشهدٌ يكشف عن مجتمعٍ يعرف قيمة العلم، ويُدرك أن الطالب ليس فرداً منعزلاً، بل مسؤوليةٌ جماعية.
مقاهي الإنترنت: فضاءات للتكافل وساحات للمستقبل
في تلك الأماكن الضيّقة التي تحوّلت إلى محطاتٍ للطلاب، تتجلّى أخلاق الغزّاوِيّين بأوضح صورها. صاحب المكان يفتح أبوابه قبل الوقت، ويُهيّئ الإنترنت، ويُخفّف الضوضاء احتراماً لمن يكتب مستقبله. شابٌ يقدّم مقعده لفتاةٍ وصلت متأخرة، وآخر يشارك شاحنته مع من انطفأ جهازه، وثالث يُفسح مساحةً على الطاولة ليجلس طالبٌ أنهكه الطريق. هذه المواقف ليست مجاملة، بل عادةٌ راسخة في مجتمعٍ يعرف أن العلم لا يُطلب إلا بتعاونٍ صادق.
وليس غريباً أن تتحوّل مقاهي الإنترنت إلى فضاءاتٍ تشبه قاعات الدراسة؛ فيها هدوءٌ مقصود، واحترامٌ متبادل، وشعورٌ بأن كل من يجلس هناك يحمل هماً واحداً: أن ينجح، وأن ينهض، وأن يضيف لبنةً جديدة في بناء هذه المدينة التي لا تُعطي شيئاً بسهولة، لكنها تُعطي كل شيء لمن يستحق.
" إنّ الطالب الغزّاوِيّ لا يطلب امتيازات، بل يطلب حقّه في أن يصل إلى امتحانه بكرامة. وما يفعله الناس حوله ليس تفضّلاً، بل إدراكٌ بأن الظروف القاسية لا تُواجه إلا بتكافلٍ واعٍ. فحين يفتح المجتمع أبوابه للطلاب، فهو لا يسهّل امتحاناً، بل يسهّل حياةً كاملة. "
مسؤولية مجتمع وإرادة لا تنطفئ
إنّ دعم الطلاب ليس عملاً عابراً، بل واجبٌ اجتماعيّ. فهؤلاء الذين يسافرون من أطراف القطاع ليقدّموا امتحاناً، هم أنفسهم الذين سيحملون غداً مسؤولية هذه الأرض. وكلّ يدٍ تُمدّ لهم اليوم، تُمدّ في الحقيقة لغزة نفسها.
وهكذا، يبقى الطريق إلى الامتحان في غزة أكثر من رحلةٍ يومية؛ إنه اختبارٌ للمدينة كلّها: اختبارٌ لوعيها، ولتكافلها، ولقدرتها على أن تقف مع أبنائها في أدقّ لحظاتهم. وما دام المجتمع يعي هذه المسؤولية، سيظلّ الطالب الغزّاوِيّ قادراً على أن يشقّ طريقه مهما طال، وأن يكتب نجاحه مهما اشتدّت الظروف.
بقلم: براء خشان
كاتبة غزيّة وطالبة في كلية الحقوق (21 عاماً). شغوفة بالأدب والصحافة الإنسانية، وتملك قلماً يسلط الضوء على قصص الصمود والتكافل المجتمعي في غزة. تسعى من خلال كلماتها إلى إيصال صوت الشباب الطامح وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية برؤية أدبية ملهمة.
💬 تواصل مع الكاتبة عبر واتسابتم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.