القائمة الرئيسية

الصفحات

تحقيق صحفي: "الدفع بالجوال" في غزة.. عقوبة رقمية تحت الحصار

الدفع بالجوال في غزة.. عقوبة رقمية تحت الحصار

غزة ـ تحت ركام الحرب وانقطاع الكهرباء، وُلدت أزمة جديدة لا تقل قسوة عن القصف: أزمة "الدفع الرقمي المفروض".

منذ السابع من أكتوبر 2023، اختفى "الكاش" من الأسواق. وأصبحت تطبيقات الجوال هي الوسيلة الوحيدة للبيع والشراء، لدفع الأجرة، ولشراء علبة دواء. لكن في قطاع بلا إنترنت ولا كهرباء ولا هواتف، تحول هذا "التطور" إلى جحيم يومي ينهك الناس.

المشهد الأول: سوق الخضار.. 20 دقيقة لشراء كيلو بندورة

الساعة 9 صباحاً في سوق مخيم النصيرات. الطابور طويل. أم محمد تحمل هاتفها المكسور الشاشة وترفعه عالياً "بتلقط شبكة".

تقول بصوت مرهق: "قبل الحرب كنت أعطيه 20 شيكل وأروح. اليوم صارلي ساعة واقفة. حولت للبائع مرتين والتطبيق علق. مش عارفة وصلت ولا لا. والولاد جوعانين".

كل عملية بيع وشراء هنا تستنفذ وقتاً وجهداً كبيرين. البائع ينتظر "إشعار التحويل"، والمشتري ينتظر "الشبكة"، والاثنان يدفعان الثمن من أعصابهما.

أبو خالد، بائع خضار، يشرح: "أنا ببيع وبخسر. الزبون بيحول وبروح. وأنا بظل ساعتين ليوصلني الإشعار. مرات ما بيوصلش. ومين بدو يرجعلي حقي؟"

المشهد الثاني: سائقو "التاكسي".. بين المقود والتحويل

في شارع الرشيد المدمر، يقود أبو أحمد سيارته "البيك أب" التي تنقل 10 نازحين دفعة واحدة. الأجرة 10 شواقل للشخص. لكن لا أحد معه نقد.

"الكل بقول حولت. وأنا سايق. كيف بدي أمسك التلفون وأنا بلف بين الحفر؟" يقول أبو أحمد. "وصلت آخر المشوار ولقيت 3 من الـ10 ما حولوش. ولما برن عليهم بقولو الشبكة فصلت. ضاع يومي كله".

العديد من السائقين اليوم يرفضون نقل الركاب إلا "كاش"، لكن الكاش غير موجود أصلاً. فتتعطل حركة الناس كلها.

المشهد الثالث: الهاتف.. أغلى من راتب شهر

المفارقة أن النظام كله قائم على "الجوال"، والجوال نفسه صار حلماً.

تقول سارة، طالبة جامعية نازحة: "تلفوني وقع وانكسر من أسبوع. ثمن تصليحه 600 شيكل. وثمن واحد مستعمل 2000 شيكل. من وين؟ راتبي صفر. هلأ لو أمي احتاجت دواء مين بدو يحول؟"

  • البطاريات: الشحن على المولد بـ 10 شواقل للساعة. الأسرة تختار بين شحن الهاتف أو شراء خبز.
  • الإنترنت: لا يوجد. الناس تتسلق أسطح البيوت المدمرة "للقط" إشارة.
  • لا بدائل: الأسواق خالية من الهواتف بسبب الحصار وارتفاع الأسعار الباهظ.

والنتيجة الكارثية: "مبقتش أقدر أعطي الهاتف لابني الصغير يروح يجيب خبز" تقول أم محمد. "الهاتف صار فيه فلوس البيت كله. لو ضاع، ضعنا".

المشهد الرابع: "بنك فلسطين".. حصار داخل الحصار

هنا تتفاقم المأساة. فالبنك، بدل أن يكون ملاذاً، أصبح بوابة إغلاق جديدة. منذ بداية العدوان، جمد "بنك فلسطين" حسابات آلاف المواطنين الذين فقدوا هوياتهم الشخصية أو انتهت صلاحيتها.

يحكي أبو يوسف، وقد فقد بيته في بيت لاهيا: "رحت أشتري حليب لبنتي الرضيعة. قالولي حسابك موقوف. بدك هوية سارية. قلتلهم بيتي انقصف والهوية تحت الركام. قالولي هذا النظام".

النظام الذي يمنع "الصلاحيات عن الناس كافة" في وقت الحرب، يحول أزمة السيولة إلى أزمة إنسانية مباشرة. مريض لا يجد دواء، وأسرة لا تجد طعاماً، بسبب ورقة.

الخلاصة: أي رقمنة في زمن الموت؟

العالم يتحدث عن "الشمول المالي الرقمي" كحل. في غزة، هو المشكلة.

التحقيق يكشف 5 كوارث مباشرة:

  1. شلل السوق: كل معاملة تحتاج إنترنت وكهرباء ووقت لا يملكه أحد.
  2. خطر على السائقين والتجار: عمليات نصب وخسائر يومية بسبب "التحويل المعلق".
  3. حرمان الأطفال: أصبح من الخطر إعطاء الهاتف لطفل ليشتري.
  4. إقصاء الفقراء: من لا يملك هاتفاً حديثاً أو شحناً، محكوم عليه بالجوع.
  5. تجميـد إنساني: سياسات البنوك جمدت أموال من فقدوا كل شيء أصلاً.

المطالب

يُطالب أهالي غزة بثلاثة أمور عاجلة:

  1. ضخ سيولة نقدية: فوراً عبر المعابر لفك أسر السوق.
  2. إلزام البنوك: بالتعامل بمرونة وتجميد شرط "الهوية السارية" خلال الحرب.
  3. توفير إنترنت مجاني: في الأسواق ومراكز الإيواء.

فإلى متى سيبقى رغيف الخبز في غزة مرهوناً بـ "إشعار تحويل" لا يصل؟ وإلى متى سيبقى المواطن الغزي أسيراً بين حصار الاحتلال، وحصار التطبيق، وحصار البنك؟

" في غزة الجريحة، نريد أن نعود لنشتري خبزنا بكرامتنا. حتى لو كان بـ (ورقة نقدية). "
صفاء توفيق أبو عوض

بقلم: صفاء توفيق أبو عوض

أخصائية اجتماعية (33 عاماً) وحاصلة على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية. أديبة وكاتبة تهتم بتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والظواهر الإنسانية في الشارع الغزي. تسعى من خلال مقالاتها إلى تقديم قراءة سوسيولوجية للواقع، وطرح حلول وتوصيات تساهم في حماية نسيج المجتمع وبناء الوعي في أصعب الظروف.

تم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.

إخلاء مسؤولية: المواد المنشورة في قسم "نبض المجتمع" تعبر تماماً عن آراء كتابها وتجاربهم الشخصية، ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي لمنصة مساعدات غزة.

تعليقات

📢 لا تفوت الفرصة! انضم لقناتنا على واتساب لمتابعة أحدث المنح، فرص العمل، والمساعدات فور صدورها.

انضم الآن للقناة 📲
التنقل السريع