القائمة الرئيسية

الصفحات

عذرًا خيمتي: رسالة عتاب وأمل من تحت ظلال النزوح في جباليا

عذرًا خيمتي: رسالة عتاب وأمل من تحت ظلال النزوح في جباليا

خيمتي... أنتِ التي سترتِ أسرتي حين ضاقت بنا الدنيا، وأنتِ التي بقيتِ إلى جواري يوم تخلى عنا الجميع. من قلب مخيم جباليا النابض بالصبر، أكتب هذه الكلمات التي تفيض بمشاعر استثنائية تصارح المأوى المؤقت بوجع اللجوء الطويل، متمسكاً بأمل الحرية والعودة القريبة إلى ربوع الوطن الممتد.

الأمل المبتور: خيمة النزوح وولادة المأوى الاضطراري

وأخيرًا تم الاتفاق على وقف الحرب. عاد الناس مسرعين من الجنوب، وبدأت المساعدات تتدفق. وفي إحدى تلك المساعدات حصلت على خيمة. عرض عليَّ بعض التجار شراءها، وراودتني نفسي أن أبيعها؛ إذ كنا نظن أن الحرب قد انتهت بلا رجعة، لكنني رفضت البيع واحتفظت بها.

ولم يطل الأمل كثيرًا؛ إذ خُرقت الهدنة، واغتيل عدد من قيادات العمل الحكومي، وعادت مناشير الإخلاء من جديد. حملت بعض أمتعتي، وكانت خيمتي في مقدمتها، واتجهت إلى مكان أقل خطرًا من بيتي القريب من الحدود. ثم اشتدت الحرب وازداد البطش، فاصطحبت أسرتي وما خف من متاعنا، وكانت خيمتي أثمن ما أحمل، ولجأنا إلى منزل أخي الأكبر.

تحت وابل النيران: ملاذ أخير في الأرض الخالية

مكثنا هناك أيامًا ثقيلة، امتلأت بالقصف والجوع والخوف. ثم اشتد القصف أكثر، حتى اضطررنا إلى الخروج تحت وابل النيران نحو أرضٍ خالية. نصبت خيمتي، وأجلست أطفالي بداخلها، ثم غرقنا جميعًا في نومٍ عميق، أنهكنا التعب، وأثقلتنا أيام الخوف.

خيمتي... أنتِ التي سترتِ أسرتي حين ضاقت بنا الدنيا، وأنتِ التي بقيتِ إلى جواري يوم تخلى عنا الجميع. أنتِ التي آويتِني وأطفالي عندما ضاقت بنا الأرض بما رحبت، فلم نجد مأوى غيرك. أشكرك من أعماق قلبي على وقوفك إلى جانبنا في أشد الظروف. وكيف لا أشكرك، وأنتِ التي حفظتِ كرامتنا، وسترتِنا من التشرد في الطرقات؟ أشكرك على ما شهده سقفك من صبرٍ واحتساب، وعلى ما أجرى الله لنا من حسنات ونحن نواجه المحنة تحت ظلك.

" سأحبكِ يوم تعودين خيمةً كما خُلقتِ؛ لا مأوى للنازحين، بل رفيقةً في رحلة تجوال بين جبال فلسطين وسهولها ووديانها، بعد أن تكنس أرضنا المحتلين الغاشمين، ويعود الأمن إلى ربوعها. "

المصارحة المرة: عذرًا فأنا لا أحبك!

لكنني أريد أن أصارحك بما في قلبي... اعذريني، فأنا لا أحبك. كنت أتمنى أن تحميني من لهيب الصيف، ومن قسوة الشتاء، لكن ذلك لم يكن في وسعك. قضيت تحت سقفك شتاءً قاسيًا، وها هو الصيف قد أقبل، وما زلت أجلس تحت ظلك، والحر يكاد يصهر أجسادنا، وأنتِ عاجزة عن فعل شيء.

وأنا أعلم أنكِ لم تُصنعي لهذا العمر الطويل من المعاناة؛ بل صُنعتِ لرحلة بحرية، أو لأيام قليلة من التخييم في البراري، لا لتكوني بيتًا لأسرةٍ لسنوات. لذلك أعذرك، وأقدر ما قدمتِه من سترٍ وحماية، لكنني لا أستطيع أن أحبك. فقلبي الذي يكتوي بحر الصيف، ويثقله وجع اللجوء، لم يعد يعرف كيف يحب. فاغفري لي جفاء مشاعري، واقبلي مني خالص الشكر والامتنان على كل ما قدمتِه لنا.

وعد لا يخلف: موعد الحب فوق جبال فلسطين وسهولها

ومع ذلك، أعدكِ بوعدٍ لن أخلفه. سأحبكِ يوم تعودين خيمةً كما خُلقتِ؛ لا مأوى للنازحين، بل رفيقةً في رحلة تجوال بين جبال فلسطين وسهولها ووديانها، بعد أن تكنس أرضنا المحتلين الغاشمين، ويعود الأمن إلى ربوعها. وإني لأرى ذلك اليوم قريبًا بإذن الله. فاصبري يا خيمتي، فموعد الحب آتٍ، وأنا لا أخون الوعد.

محمد حمادة

بقلم: محمد حمادة

من أبناء مخيم جباليا، حاصل على درجة الماجستير في تكنولوجيا المعلومات، وأعمل في جامعة القدس المفتوحة – فرع الشمال. كتبت العديد من المقالات التي نُشرت في المجلات الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، متناولًا قضايا المجتمع والإنسان في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة. أُومِن بأن الكلمة الصادقة قادرة على ترميم ما تهدمه الحروب، لذلك أحرص في كتاباتي على غرس الأمل وإحياء روح الصمود والتفاؤل، رغم ما خلفته حرب الإبادة من ألم وفقدان.

💬 تواصل مع الكاتب عبر واتساب

تم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.

إخلاء مسؤولية: المواد المنشورة في قسم "نبض المجتمع" تعبر تماماً عن آراء كتابها وتجاربهم الشخصية، ولا تعكس بالضرورة التوجه الرسمي لمنصة مساعدات غزة. كما تخلي المنصة مسؤوليتها القانونية عن أي تواصل مباشر أو ترتيبات شخصية تتم عبر وسائل التواصل المرفقة.

تعليقات

📢 لا تفوت الفرصة! انضم لقناتنا على واتساب لمتابعة أحدث المنح، فرص العمل، والمساعدات فور صدورها.

انضم الآن للقناة 📲
التنقل السريع