منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تعد الحرب على قطاع غزة تدمر الحجارة فحسب. إنها تدمر الأعمار، وتسرق الطفولة، وتعيد كتابة أعراف المجتمع بقلم الضرورة القاسية. ومن بين أشد هذه الأعراض وجعاً، ظاهرة تزايد زواج القاصرات، التي قفزت من الهامش إلى قلب المشهد الاجتماعي.
لم يكن المجتمع الغزي غريباً عن الزواج المبكر. لكنه كان ظاهرة محدودة، محكومة بأعراف وتقاليد. أما اليوم، فقد تحول إلى "حل" تطرحه الحرب على طاولة الأسر المكلومة.
بين منطق الحماية ومنطق الخسارة
يدافع البعض عن هذا الخيار بمنطق "الضرورة". في ظل فقدان المعيل، واكتظاظ مراكز الإيواء، وانعدام الخصوصية، وانعدام أي أفق تعليمي، يُقدم الزواج كـ "سترة" و "حماية" و "تخفيف عبء" عن كاهل أسرة أنهكها الجوع والتشرد.
لكن هذا المنطق، وإن فُهم، لا يمكن أن يُقبل. لأنه يقايض أمناً مؤقتاً وهشاً، بمستقبل كامل. يقايض طفلة لم تكمل تعليمها، ولم تنضج نفسياً وجسدياً، بمسؤولية بيت وزوج وربما طفل.
" نحن لا نحمي الفتاة حين نزوجها قاصرة في زمن الحرب. نحن ننقلها من دائرة خطر إلى دائرة خطر آخر، أكثر تعقيداً وأطول أمداً. "
الثمن الذي تدفعه غزة مرتين
الثمن لا تدفعه الفتاة وحدها. يدفعه المجتمع كله على المدى البعيد:
- صحياً: أجيال تولد لأمهات لم تكتمل أجسادهن، في مستشفيات مدمرة وبلا غذاء ولا دواء.
- نفسياً: نساء محملات بصدمات الحرب وصدمات الزواج المبكر معاً، بلا أي مساحة للتعافي.
- تعليمياً: إغلاق باب المدرسة والجامعة في وجه نصف المجتمع، في وقت نحتاج فيه لكل عقل ولكل يد.
- اجتماعياً: ترسيخ ثقافة أن الفتاة عبء يجب التخلص منه، لا طاقة يجب الاستثمار فيها.
إننا بذلك لا نعالج أزمة، بل ننتج أزمة جديدة ستعيش معنا لعشرين عاماً قادمة.
توصيات عاجلة
أولاً: توصيات إلى الأهالي
- البديل عن الزواج هو الحماية: ابحثوا عن سبل حماية بناتكم داخل الأسرة الممتدة ومع الأقارب، بدلاً من نقل المسؤولية إلى زيجة مبكرة في ظروف غير مستقرة.
- التعليم خط أحمر: حتى لو توقفت المدارس، حافظوا على تعليم بناتكم عبر المبادرات المجتمعية والدورات المهنية. الشهادة والمهارة هما الضمان الحقيقي للمستقبل.
- لا للزواج العرفي: أي عقد زواج يجب أن يوثق قانونياً لضمان حقوق الفتاة في الميراث والنفقة وحضانة الأبناء مستقبلاً.
- الاستماع للبنت: قرار الزواج قرار مصيري. من حق الفتاة أن تُسمع وأن يُؤخذ رأيها بعين الاعتبار، لا أن تُزوج قسراً تحت ضغط الخوف.
ثانياً: توصيات إلى الجهات المعنية والمؤسسات
- شبكة أمان اقتصادي: على المؤسسات الإغاثية والدول المانحة تخصيص مساعدات نقدية وعينية مباشرة للأسر التي لديها فتيات في سن الخطر، لقطع الدافع الاقتصادي للزواج.
- مساحات آمنة وتعليم بديل: إنشاء فصول تعليم وتعافي نفسي ومهن يدوية داخل مراكز الإيواء. إبقاء الفتاة في بيئة تعلم هو أهم وسائل الحماية.
- رعاية صحية متخصصة: تكثيف العيادات المتنقلة لتقديم الرعاية الصحية والنفسية للحوامل القاصرات، والتوعية بمخاطر الحمل المبكر.
- دور المؤسسات الدينية والمجتمعية: على الخطباء والوجهاء والمخاتير أن تكون لهم كلمة واضحة في خطاب الجمعة وفي المجالس: الزواج المبكر ليس حلاً، بل هو استنزاف لمستقبل المجتمع.
- توثيق ورصد: العمل على توثيق حالات الزواج وتقديم الدعم القانوني والاجتماعي للقاصرات المتزوجات لحمايتهن من العنف والاستغلال.
كلمة أخيرة
الحرب تريد منا أن نستسلم. وأن نقبل بتآكل قيمنا قطعة قطعة تحت اسم "الواقع". لكن أعظم أشكال الصمود ليس فقط في البقاء على قيد الحياة، بل في الإصرار على حماية إنسانية هذا البقاء.
تزويج القاصرات اليوم هو استسلام. وحمايتهن وتعليمهن هو المقاومة الحقيقية التي ستبني غزة الغد. إننا لا نملك رفاهية خسارة جيل كامل.
بقلم: صفاء توفيق أبو عوض
أخصائية اجتماعية (33 عاماً) وحاصلة على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية. أديبة وكاتبة تهتم بتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والظواهر الإنسانية في الشارع الغزي. تسعى من خلال مقالاتها إلى تقديم قراءة سوسيولوجية للواقع، وطرح حلول وتوصيات تساهم في حماية نسيج المجتمع وبناء الوعي في أصعب الظروف.
تم تحرير وتنسيق هذا المقال تقنياً بواسطة فريق منصة مساعدات غزة ضمن مساحة (نبض المجتمع) الحرة.
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبًا بتعليقاتكم!
> شاركنا رأيك أو أضف أي معلومة ممكن تساعد غيرك.
> يُرجى احترام الآخرين، وتجنب نشر معلومات غير دقيقة أو محتوى مسيء.
> التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر.